عمر غازي
في 1997 نشرت مجلة “Journal of Research on Adolescence” دراسة شملت 3191 مراهقًا في الولايات المتحدة لقياس أثر تماسك الأسرة العاطفي على أعراض الاكتئاب لديهم، وانتهت الدراسة إلى أن انخفاض درجة التماسك الأسري كما يراه الأبناء كان مرتبطًا بارتفاع ملحوظ في مؤشرات الاكتئاب، بغض النظر عن شكل الأسرة أو مستوى تعليم الوالدين، أي أن نوعية الروابط داخل العائلة كانت أكثر تأثيرًا من شكلها الخارجي وعدد أفرادها وترتيبات السكن فيها، وهذا يفتح بابًا مختلفًا للنظر إلى العائلة لا باعتبارها مجرد “وحدة سكنية” بل شبكة عاطفية إما أن تتماسك فتبني أو تتفكك فتخلّف ندوبًا هادئة تستمر لعقود.
وفي 2021 أظهرت دراسة منشورة في مجلة “PLOS ONE” تابعت 2743 طفلًا ومراهقًا في البرازيل على مدى ثمانية أشهر أن غياب الوجبات العائلية المنتظمة ارتبط بارتفاع احتمال الإصابة باضطرابات نفسية شائعة، بينما كان تناول وجبتين يوميًا مع العائلة عاملًا واقيًا خفّض هذا الاحتمال بنسبة اقتربت من 25% مقارنة بمن لا يجلسون مع أسرهم حول المائدة تقريبًا، إذ لم تكن قيمة الوجبة في مكوناتها الغذائية فقط، بل في كونها محكًا يوميًا لوجود العائلة كجماعة حاضرة وليست مجرد أفراد يعيشون تحت سقف واحد دون ذاكرة مشتركة أو حوار حقيقي.
حين نتحدث هنا عن “متلازمة التفكك العائلي” فنحن لا نقصد الطلاق وحده ولا انفصال الوالدين كحدث قانوني، بل نقصد نمطًا أوسع من البيئات التي تضعف فيها الروابط بين الإخوة والأخوات والآباء والأقارب حتى وإن ظلّ الجميع في بيت واحد، عائلات لا تعرف الجلوس معًا إلا في المناسبات، ولا يتشارك أفرادها أسرارهم الصغيرة ولا مخاوفهم ولا أفراحهم، يكبر الأبناء في هذه البيئات وهم يتعلمون درسًا صامتًا مفاده أن العلاقة شيء هش ومؤقت، وأن القرب العاطفي مخاطرة، وأن الأمان الحقيقي ليس في العائلة بل في الانسحاب منها أو في السيطرة عليها قبل أن تسيطر عليك.
دراسات التماسك الأسري المتتابعة خلال العقدين الأخيرين ترسم الصورة نفسها من زوايا مختلفة، فبحث نُشر عام 2023 لفريق من الباحثين في أوغندا أظهر أن ارتفاع درجات التماسك العائلي لدى الأطفال المصنّفين ذوي مشكلات سلوكية كان مرتبطًا بانخفاض واضح في أعراض الاكتئاب، بينما ظل شكل الأسرة أو مستوى الدخل أقل تفسيرًا للفروق في الصحة النفسية مقارنة بجودة الترابط العاطفي داخل البيت، وهي نتيجة تتكرر في نماذج أخرى من الم思 adolescent mental health حيث يظهر أن “القرب العائلي” نفسه عامل حماية يتدخل بين قسوة العالم الخارجي وبين هشاشة نفس المراهق.
هذا التفكك الصامت لا يبقى في حدود الطفولة، إذ يحمل كثيرون ندوبه معهم إلى حياتهم الزوجية والمهنية، فيميل القادم من بيئة متفككة إلى إعادة إنتاج النمط نفسه دون وعي، فيبالغ في حماية خصوصيته من شريكه، أو يصر على أن يبقى لكل فرد “عالمه المغلق” داخل البيت، أو ينقل إلى شريكه توتر علاقاته القديمة مع إخوته ووالديه، فيتعامل مع الخلاف العابر كتهديد وجودي، ومع الحوار الصريح كمعركة لا كمجال للفهم، هنا تتحول متلازمة التفكك العائلي إلى عدسة مشوّهة يرى من خلالها الشريك الجديد، فيفسّر كل تأخير على أنه إهمال، وكل طلب للمساحة الشخصية على أنه هجر، وكل اختلاف في الرأي على أنه خيانة لمعسكر ضد آخر لا مجرد اختلاف بين اثنين يحاولان بناء حياة مشتركة.
في الشركات تظهر المتلازمة في صورة أخرى، الموظف الذي خرج من بيت بلا ثقة وبلا روابط متينة يميل في كثير من الأحيان إلى التعامل مع المعرفة والخبرة كأدوات نجاة شخصية لا كرصيد مشترك، فيبني “جزرًا مغلقة” من المعلومة حول نفسه، يرفض توثيق ما يعرفه، يتهرب من تدريب زملائه، ويشعر بأن أي مشاركة للمعرفة انتقاص من قيمته، لأنه نشأ في عالم عاطفي لم يكن فيه شيء مشتركًا حقًا، بينما تشير دراسة منشورة عام 2023 في “Journal for ReAttach Therapy and Developmental Diversities” حول جودة علاقة الإخوة والرفاه النفسي لدى البالغين إلى أن العلاقات الأكثر دفئًا وتعاونًا بين الإخوة في الطفولة ترتبط في الكبر بمستويات أعلى من الصحة النفسية والاستعداد للمساندة المتبادلة، أي أن من تعلّم مبكرًا أن الروابط يمكن أن تكون سندًا لا تهديدًا، يميل لاحقًا إلى إعادة إنتاج هذا السند في بيئة العمل أيضًا.
التعبير الكلاسيكي في الأدبيات العربية هو “التفكك الأسري” وغالبًا ما يُستخدم لوصف العائلات التي يخرج فيها أحد الوالدين من الصورة أو تسودها الصراعات العنيفة، أما “متلازمة التفكك العائلي” فتصوغ زاوية أخرى، إذ تشير إلى الأثر طويل المدى لهذا الضعف في التماسك العاطفي على طريقة الشخص في بناء علاقاته التالية داخل الأسرة والعمل، ليست مجرد حالة اجتماعية تُقاس بعدد حالات الطلاق أو غياب أحد الوالدين، بل نمط نفسي وسلوكي يعاد إنتاجه على هيئة خوف من القرب، أو تعطش مفرط للسيطرة، أو حساسية مرضية من الاعتماد المتبادل، وهذه الملامح تلتقي جزئيًا مع ما تشير إليه دراسات “family cohesion” و”family connectedness” في علم النفس الأسري، لكنها تركز هنا على الفرد الذي يخرج من تلك البيئة وهو يحملها معه إلى كل علاقة جديدة.
من آثار هذه المتلازمة أن الشريك القادم من بيئة مفككة قد يحاول بلا وعي أن يفرض على الطرف الآخر النموذج الذي اعتاده، فيرفض إدماجه في تفاصيل حياته المالية أو العائلية، أو يستهين بمحاولاته لبناء روابط أوسع مع بقية العائلة، لأنه يعتبر العم والخال والأخوة “زائدين عن الحاجة” كما اعتاد أن يراهم في بيته القديم، وربما يفسّر كل علاقة قوية بين زوجته وأهلها مثلًا على أنها تهديد مباشر له، أو يضغط عليها لتقطع بعض تلك الروابط كي يشعر بالسيطرة، في حين أن جوهر الشراكة الصحية ليس إلغاء عوالم الطرفين السابقة، بل إعادة نسجها في شكل أكثر اتزانًا ونضجًا.
الخطر الأكبر حين يلتقي طرفان كلاهما يحمل قدرًا متفاوتًا من متلازمة التفكك العائلي، فيجتمع خوفان لا يملكان لغة للتفاهم، كل منهما يرى في طلب القرب حصارًا، وفي طلب المساحة هجرًا، وفي الاختلاف خيانة، ومع غياب الذاكرة العائلية الدافئة يصبح من الصعب عليهما تخيل نموذج علاقة مختلفة، فيميلان إلى تكرار أشكال الانسحاب والصمت والقطيعة التي شاهداها طوال طفولتهما، حتى لو لم يكن هناك عنف ظاهر أو طلاق فعلي، إذ يكفي أن يغيب الإحساس بالبيت كمساحة أمان كي يشعر الإنسان بأنه يعيش حياة مؤقتة حتى وهو في قلب أسرته.
على مستوى الحلول لا يكفي الوعظ الأخلاقي ولا الدعوة العامة “لصلة الأرحام”، فالدراسات التي تناولت التماسك العائلي باعتباره عامل حماية نفسي تشير بوضوح إلى أن الروابط لا تُبنى بالخطاب المجرد بل بممارسات ملموسة، جلسات عائلية ثابتة، حوارات منظمة مع الأبناء، طقوس مشتركة تتكرر بما يكفي لتشكيل ذاكرة إيجابية، وفي البيئات المهنية لا يكفي أن تطلب الشركة “روح الفريق” في منشوراتها الداخلية، بل ينبغي أن تربط الترقيات والحوافز والتقييمات بمؤشرات واضحة على مشاركة المعرفة، والتعاون بين الوحدات، وتوثيق الخبرة بدل احتكارها، حتى لا تُترك الساحة لمن يعيدون إنتاج التفكك القديم في صورة مقاومة صامتة لكل ما هو مشترك.
وربما كان السؤال الأهم لكل واحد منا قبل أن يختار شريك حياته أو بيئة عمله أو طريقة تربيته لأبنائه هو أن يسأل نفسه أولًا: إلى أي مدى ما زلت أعيش بعقلي في تلك العائلة الأولى التي خرجتُ منها، وهل أبني اليوم بيتًا جديدًا فعلًا، أم أكتفي بتغيير الوجوه بينما أترك متلازمة التفكك العائلي تكتب النهاية نفسها بقلم مختلف؟.
